ابن قيم الجوزية

125

البدائع في علوم القرآن

افتتح القصة بقوله : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 121 ) [ آل عمران : 121 ] ، إلى تمام ستين آية . فمنها : تعريفهم سوء عاقبة المعصية ، والفشل والتنازع ، وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 152 ) [ آل عمران : 152 ] . فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول ، وتنازعهم ، وفشلهم ، كانوا بعد ذلك أشد حذرا ويقظة ، وتحرزا من أسباب الخذلان . ومنها : أن حكمة اللّه وسنته في رسله وأتباعهم ، جرت بأن يدالوا مرة ، ويدال عليهم أخرى ، لكن تكون لهم العاقبة ، فإنهم لو انتصروا دائما ، دخل معهم المؤمنون وغيرهم ، ولم يتميز الصادق من غيره ، ولو انتصر عليهم دائما ، لم يحصل المقصود من البعثة ، والرسالة ، فاقتضت حكمة اللّه أن جمع لهم بين الأمرين ، ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاءوا به ، ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة . ومنها : أن هذا من أعلام الرسل ، كما قال هرقل لأبي سفيان : هل قاتلتموه ؟ قال : نعم . قال : كيف الحرب بينكم وبينه ؟ قال : سجال ، يدال علينا المرة ، وندال عليه الأخرى . قال : كذلك الرسل تبتلى ، ثم تكون لهم العاقبة « 1 » . ومنها : أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب ، فإن المسلمين لما أظهرهم اللّه على أعدائهم يوم بدر ، وطار لهم الصيت ، دخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا ، فاقتضت حكمة اللّه عز وجل أن سبّب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق ، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة ، وتكلموا بما كانوا يكتمونه ، وظهرت مخبآتهم ، وعاد تلويحهم تصريحا ، وانقسم الناس إلى كافر ، ومؤمن ، ومنافق ، انقساما ظاهرا ، وعرف المؤمنون أن لهم عدوا في نفس دورهم ، وهم معهم لا يفارقونهم ، فاستعدوا لهم ، وتحرزوا منهم . قال اللّه تعالى : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 7 ) في بدء الوحي ، ومسلم ( 1773 / 74 ) في الجهاد ، باب : كتاب النبي إلى هرقل .